بقلم: مالكوم جلادويل


كان بن فاونتن شريكًا في مكتب العقارات في مكاتب شركة أكين، غامب، شتراوس، هاور وفيلد في دالاس، بعد بضع سنوات من تخرجه من كلية الحقوق قرر ان يتوجه لكتابة الروايات. لم ينشر فاونتن أي شيء سوى مقالة في مجلة قانونية. تكوّن تدريبه الأدبي من عدد قليل من دورات الكتابة الإبداعية في الجامعة. حاول الكتابة عند عودته إلى المنزل ليلًا من العمل، لكنه كان عادةً متعبًا جدًا لدرجة تمنعه من فعل الكثير. فقرر ترك وظيفته.

يتذكر فاونتن: “كنتُ قلقًا للغاية. شعرتُ وكأنني سقطتُ من جرفٍ، ولم أكن أعرف إن كانت المظلة ستُفتح. لا أحد يُريد أن يُضيع حياته، وكنتُ أُبلي بلاءً حسنًا في ممارسة القانون. كان بإمكاني أن أحظى بمسيرة مهنية جيدة. وكان والداي فخورين بي للغاية – كان والدي فخورًا بي للغاية… كان الأمر جنونيًا“.

بدأ حياته الجديدة في صباح يوم اثنين من فبراير. جلس على طاولة مطبخه الساعة 7:30 صباحًا. وضع خطة، كان يكتب كل يوم حتى وقت الغداء. ثم كان يستلقي على الأرض لمدة عشرين دقيقة ليريح ذهنه. ومن ثم يعود إلى العمل لبضع ساعات أخرى. كان محاميًا، كان لديه انضباط. “اكتشفت منذ الصغر أنني إذا لم أنجز كتابتي، فسأشعر بالسوء. لذلك كنت دائمًا أنجز كتابتي. كنت أعاملها كوظيفة. لم أؤجلها”. كانت قصته الأولى عن سمسار بورصة يستخدم معلومات داخلية ويتجاوز الحدود الأخلاقية. كانت ستين صفحة واستغرق كتابتها ثلاثة أشهر. عندما أنهى تلك القصة، عاد إلى العمل وكتب قصة أخرى – ثم أخرى.

في عامه الأول، باع فاونتن قصتين، اكتسب الثقة، كتب رواية، قرر أنها ليست جيدة جدًا، وانتهى به الأمر بوضعها على الرف. ثم جاء ما وصفه بفترته المظلمة، عندما خفض مستوى توقعاته وبدأ من جديد. نُشرت له قصة قصيرة في مجلة هاربرز. رآها وكيل أدبي من نيويورك ووقع معه عقدًا. جمع مجموعة من القصص القصيرة بعنوان “لقاءات موجزة مع تشي جيفارا”، ونشرتها إيكو، إحدى مطابع هاربرز كولينز. كانت المراجعات مثيرة. وصفتها مجلة تايمز بوك ريفيو بأنها “محطمة للقلب”. فازت بجائزة مؤسسة همنغواي/بن. تم اختيارها رقم 1 في بوك سينس. وصلت إلى قوائم أفضل الكتب مبيعًا على المستوى الإقليمي، وتم اختيارها كواحدة من أفضل كتب العام من قبل صحيفة سان فرانسيسكو كرونيكل وصحيفة شيكاغو تريبيون وكيركس ريفيو، وتمت مقارنتها بجراهام جرين وروبرت ستون وجون لو كاريه.

يبدو صعود بن فاونتن قصة مألوفة! شاب من الريف يُبهر العالم الأدبي فجأةً. لكن نجاح بن فاونتن لم يكن مفاجئًا ابداً. ترك عمله في أكين، غامب عام ١٩٨٨. مقابل كل قصة نشرها في تلك السنوات الأولى، كان يُرفض ثلاثون مرةً على الأقل. استغرقت روايته التي وضعها على الرف أربع سنوات لتكتمل. استمرت الفترة المظلمة طوال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي. جاءت انطلاقته مع رواية “لقاءات قصيرة” عام ٢٠٠٦. وبعد ثمانية عشر عامًا من بدء الكتابة على طاولة مطبخه. اقتحم الكاتب “الشاب” من الريف عالم الأدب في سن الثامنة والأربعين.

العبقرية في المفهوم الشائع مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالنضج المبكر – إن القيام بشيء إبداعي حقًا، كما نميل إلى الاعتقاد، يتطلب نضارة وحيوية وطاقة الشباب. قدم أورسون ويلز تحفته الفنية، “المواطن كين” في سن الخامسة والعشرين. كتب هيرمان ملفيل كتابًا سنويًا في أواخر العشرينيات من عمره، وبلغ ذروته في سن الثانية والثلاثين مع “موبي ديك”. كتب موزارت المقطوعة رقم 9 الرائدة في سن الحادية والعشرين. الابداع في بعض اشكاله مثل الشعر الغنائي يصبح النضج المبكر ذو أهمية و قانونًا صارمًا. كم كان عمر تي إس إليوت عندما كتب “أغنية حب جيه ألفريد بروفروك” (“أتقدم في السن … أتقدم في السن”) ثلاثة وعشرون؟ يؤكد باحث الإبداع جيمس كوفمان أن “الشعراء يبلغون ذروتهم في سن الشباب”. يتفق ميهاي تشيكسينتميهالي، مؤلف كتاب “التدفق” مع هذا الرأي قائلاً: “يُعتقد أن الشعر الغنائي الأكثر إبداعًا هو الذي يكتبه الشباب“. ووفقًا لعالم النفس بجامعة هارفارد، هوارد جاردنر، وهو خبير رائد في مجال الإبداع، فإن “الشعر الغنائي مجال تُكتشف فيه الموهبة مبكرًا، فتتوهج بقوة، ثم تتلاشى في سن مبكرة“.

قبل بضع سنوات، قرر ديفيد جالينسون، وهو خبير اقتصادي في جامعة شيكاغو التحقق من صحة هذا الافتراض المتعلق بالإبداع. فراجع سبعة وأربعين مختارات شعرية رئيسية نُشرت منذ عام ١٩٨٠، وأحصى القصائد الأكثر شيوعًا. قد يعترض البعض بالطبع على فكرة إمكانية قياس القيمة الأدبية. لكن جالينسون أراد ببساطة استطلاع رأي شريحة واسعة من الباحثين الأدبيين حول القصائد التي يرونها الأكثر أهمية في التراث الأدبي الأمريكي. أفضل أحد عشر قصيدة ، بالترتيب، “بروفروك” لـ ت. س. إليوت، و”ساعة الظربان” لروبرت لويل، و”التوقف عند الغابة في أمسية ثلجية” لروبرت فروست، و”عربة حمراء” لويليام كارلوس ويليامز، و”السمكة” لإليزابيث بيشوب، و”زوجة تاجر النهر” لعزرا باوند، و”أبي” لسيلفيا بلاث، و”في محطة المترو” لباوند، و”إصلاح الجدار” لفروست، و”رجل الثلج” لوالاس ستيفنز، و”الرقصة” لويليامز. أُلفت هذه القصائد الأحد عشر في سن الثالثة والعشرين، والحادية والأربعين، والثامنة والأربعين، والأربعين، والتاسعة والعشرين، والثلاثين، والثلاثين، والثامنة والعشرين، والثامنة والثلاثين، والثانية والأربعين، والتاسعة والخمسين على التوالي. وخلص جالينسون إلى أنه لا يوجد دليل على أن الشعر الغنائي هو فن الشباب. فبعض الشعراء يُبدعون في بداية مسيرتهم الشعريةبينما يُبدع آخرون في أعمالهم بعد عقود. اثنان وأربعون بالمائة من قصائد فروست المُختارة كُتبت بعد سن الخمسين. بالنسبة لويليامز، تصل النسبة إلى أربعة وأربعين بالمائة. أما بالنسبة لستيفنز، فتبلغ النسبة تسعة وأربعين بالمائة.

وينطبق الأمر نفسه على السينما، كما يشير جالينسون في دراسته “الأساتذة الكهول والعباقرة الشباب: دورتا حياة الإبداع الفني”. نعم، كان هناك أورسون ويلز، الذي بلغ أوج إبداعه كمخرج في الخامسة والعشرين من عمره. ولكن بعد ذلك، كان هناك ألفريد هيتشكوك، الذي أخرج أفلام “Dial M for Murder” و”Rear Window” و”To Catch a Thief”  و”The Trouble with Harry” و”Vertigo” و”North by Northwest” و”Psycho” – وهي واحدة من أعظم سلسلة أفلام لمخرج في التاريخ بين عيد ميلاده الرابع والخمسين والحادي والستين. نشر مارك توين “Adventures of Huckleberry Finn” في التاسعة والأربعين من عمره. وكتب دانيال ديفو “Robinson Crusoe” في الثامنة والخمسين من عمره.

من الأمثلة التي لم يستطع جالينسون نسيانها بيكاسو وسيزان. كان جالينسون عاشقًا للفن، وكان على دراية بسيرتهما جيدًا. كان بيكاسو عبقريًا متألقًا. بدأت مسيرته الفنية كفنان جاد بتحفة فنية بعنوان “استحضار: دفن كاساجيماس”، أنجزها في العشرين من عمره. وسرعان ما رسم العديد من أعظم أعماله الفنية، بما في ذلك “آنسات أفينيون” في السادسة والعشرين من عمره. كان بيكاسو متوافقًا تمامًا مع مفاهيمنا المعتادة عن العبقرية.

لم يفعل سيزان ذلك. إذا ذهبت إلى جناح سيزان في متحف أورسيه في باريس – أروع مجموعة من سيزان في العالم – فإن مجموعة التحف الفنية التي ستجدها على طول الجدار الخلفي قد رُسمت جميعها في نهاية حياته المهنية. أجرى جالينسون تحليلًا اقتصاديًا بسيطًا، حيث قام بجدولة الأسعار المدفوعة في المزاد للوحات التي رسمها بيكاسو وسيزان مع الأعمار التي أنجزوا فيها تلك الأعمال. وجد أن اللوحة التي رسمها بيكاسو في منتصف العشرينات من عمره تساوي في المتوسط أربعة أضعاف قيمة اللوحة التي رسمها في الستينيات من عمره. بالنسبة لسيزان، كان العكس هو الصحيح. كانت اللوحات التي رسمها في منتصف الستينيات من عمره أعلى قيمة بخمسة عشر ضعفًا من اللوحات التي رسمها في شبابه. لم تفعل نضارة وحيوية وطاقة الشباب الكثير لسيزان. لقد كان متأخرًا في النضج – ولسبب ما في حسابنا للعبقرية والإبداع نسينا أن نفهم سيزان في العالم.

سار اليوم الأول الذي جلس فيه بن فاونتن للكتابة على طاولة مطبخه على ما يرام. كان يعرف كيف ستبدأ قصة سمسار البورصة. لكن في اليوم الثاني، كما يقول “أصيب بصدمة شديدة”! لم يكن يعرف كيف يصف الأمور، شعر وكأنه عاد إلى الصف الأول الابتدائي. لم تكن لديه رؤية مكتملة تنتظر أن تُفرغ على الورق. يقول: “كان عليّ أن أرسم صورة ذهنية لمبنى، غرفة، واجهة، قصة شعر، ملابس – مجرد أشياء بسيطة للغاية“. “أدركت أنني لا أملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات. بدأت أشتري قواميس بصرية، وقواميس معمارية، وأدرسها”.

بدأ بجمع مقالات حول مواضيع تهمه، وسرعان ما أدرك شغفه بجزيرة هايتي. يقول فاونتن: “ازداد ملف هايتي اتساعًا. وفكرت: حسنًا، هذه روايتي. ولشهر أو شهرين، قلت لنفسي: لا داعي للذهاب إلى هناك، فأنا أستطيع تخيل كل شيء. لكن بعد شهرين، فكرت: أجل، لا بد من الذهاب إلى هناك، وهكذا ذهبت في أبريل أو مايو من عام ١٩٩١

كان يتحدث قليلاً من الفرنسية، ناهيك عن الكريولية الهايتية. لم يسبق له السفر إلى الخارج ولم يكن يعرف أحدًا في هايتي. يتذكر فاونتن: “وصلتُ إلى الفندق، وصعدتُ الدرج، وكان هناك رجل يقف في أعلى الدرج. قال: اسمي بيير. أنت بحاجة إلى مرشد“. قلتُ: “بالتأكيد، انت محق، فأنا أحتاج إلى مرشد“. كان شخصًا صادقًا للغاية، وأدرك سريعًا أنني لا أريد الذهاب لرؤية الفتيات، ولا أريد المخدرات، ولا أي شيء آخر،  تابع فاونتن “ثم فجأة، قال: بيير يمكنني اصطحابك إلى هناك. يمكنني اصطحابك إلى هذا الشخص“.

كان فاونتن مفتونًا بهايتي. يقول: “إنها أشبه بمختبر، تقريبًا. كل ما حدث في الخمسمائة عام الماضية – الاستعمار، والعرق، والسلطة، والسياسة، والكوارث البيئية – كل ذلك موجود هناك بشكل مركّز للغاية. كما شعرتُ براحةٍ عميقة هناك“. قام بزياراتٍ أخرى إلى هايتي، أحيانًا لمدة أسبوع، وأحيانًا لمدة أسبوعين.

كوّن صداقات. دعاهم لزيارته في دالاس. (“لن تتذوق طعم الحياة حتى يكون هناك هاييتيون في منزلك”, يقول فاونتن). “أعني، كنتُ منخرطًا، لم أستطع الرحيل ببساطة. هناك هذا الجانب غير العقلاني وغير الخطي من العملية برمتها. كانت لديّ حقبة زمنية محددة جدًا كنتُ أكتب عنها، وأشياء معينة كنتُ بحاجة إلى معرفتها. لكن كانت هناك أشياء أخرى لم أكن بحاجة حقًا إلى معرفتها. التقيتُ بزميل كان يعمل مع منظمة “أنقذوا الأطفال”، وكان في الهضبة الوسطى، التي يستغرق الوصول إليها حوالي اثنتي عشرة ساعة بالحافلة، ولم يكن لديّ سبب للذهاب إلى هناك، لكنني صعدتُ إلى هناك على اية حال. عانيتُ في تلك الحافلة، وأكلتُ الغبار. كانت رحلة شاقة، لكنها كانت رحلة مجيدة. لم يكن لها علاقة بالكتاب، لكنها لم تكن معرفة مهدرة“.

في “لقاءات قصيرة مع تشي جيفارا”، تتناول أربع قصص هايتي، وهي الأقوى في المجموعة. تُشعرك هذه القصص وكأنها هايتي؛ وكأنها كُتبت من الداخل، لا من الخارج. يتذكر فاونتن: “بعد انتهاء الرواية، لا أدري، شعرتُ فقط أن هناك المزيد، وأنني أستطيع الاستمرار، والتعمق أكثر هناك. دائمًا ما يوجد شيء هناك. كم مرة زرتُها؟ ثلاثون مرة على الأقل.”

يُجادل جالينسون بأن الفنانين الموهوبين أمثال بيكاسو نادرًا ما ينخرطون في هذا النوع من الاستكشاف المفتوح. ويضيف أنهم يميلون إلى أن يكونوا “مفاهيميين”، بمعنى أنهم يبدؤون بفكرة واضحة عن الوجهة التي يريدون الوصول إليها، ثم يُنفذونها. قال بيكاسو ذات مرة في مقابلة مع الفنان ماريوس دي زاياس: “لا أفهم أهمية كلمة ‘بحث’! في رأيي، البحث لا يعني شيئًا في الرسم. العثور على الشيء هو الأهم“. وتابع: “لا يجب اعتبار الأساليب العديدة التي استخدمتها في فني تطورًا أو خطوات نحو نموذج فني مجهول… لم أقم قط بمحاولات أو تجارب”.

لكن جالينسون يقول إن المتأخرين في النضج يميلون إلى العمل بطريقة معاكسة. نهجهم تجريبي اكثر. يكتب جالينسون في كتابه “الأساتذة الكهول والعباقرة الشباب”: “أهدافهم غير محددة، لذا فإن إجراءاتهم مؤقتة وتدريجية“، ويتابع:

إن عدم دقة أهدافهم يعني أن هؤلاء الفنانين نادرًا ما يشعرون بأنهم قد نجحوا، وبالتالي غالبًا ما يهيمن على حياتهم المهنية السعي وراء هدف واحد. يكرر هؤلاء الفنانون أنفسهم، ويرسمون نفس الموضوع عدة مرات، ويغيرون معالجته تدريجيًا في عملية تجريبية من الصواب والخطأ. كل عمل يؤدي إلى التالي، ولا يتمتع أي عمل بميزة عن الاخر بشكل عام، لذلك نادرًا ما يضع الرسامون التجريبيون رسومات أو خططًا تحضيرية محددة للوحة. إنهم يعتبرون إنتاج اللوحة عملية بحث، حيث يهدفون إلى اكتشاف الصورة اثناء رسمها؛ ويعتقدون عادةً أن التعلم هدف أهم من صنع اللوحات النهائية. يبني الفنانون التجريبيون مهاراتهم تدريجيًا على مدار حياتهم المهنية، ويحسنون أعمالهم ببطء على فترات طويلة. هؤلاء الفنانون مثاليون وعادة ما يعانون من الإحباط لعدم قدرتهم على تحقيق هدفهم

حيث أراد بيكاسو أن يجد، لا أن يبحث، قال سيزان العكس: “أنا أبحث في الرسم”.

كان على المبتكر التجريبي ان يعود إلى هايتي ثلاثين مرة. هكذا يُحدد هذا النوع من العقول ما يريد فعله. عندما كان سيزان يرسم صورة للناقد غوستاف جيفروي، جعله يتحمل ثمانين جلسة، على مدى ثلاثة أشهر، قبل أن يُعلن فشل المشروع. (والنتيجة واحدة من سلسلة روائع متحف أورسيه). عندما رسم سيزان سمساره أمبروز فولار، جعله يصل في الثامنة صباحًا ويجلس على منصة متهالكة حتى الحادية عشرة والنصف، دون انقطاع، في مئة وخمسين مناسبة – قبل أن يتخلى عن الصورة. كان يرسم مشهدًا، ثم يعيد رسمه، ثم يرسمه مرة أخرى. كان سيئ السمعة بتقطيع لوحاته القماشية إربًا في نوبات الإحباط.

كان مارك توين على نفس المنوال, يقتبس جالينسون عن الناقد الأدبي فرانكلين روجرز أسلوب توين في التجربة والخطأ: “يبدو أن إجرائه المعتاد كان البدء برواية بخطة هيكلية سرعان ما تثبت عيبها، ثم يبحث عن حبكة جديدة تتغلب على الصعوبة، ويعيد كتابة ما كتبه بالفعل، ثم يواصل العمل حتى يضطره عيب جديد إلى تكرار العملية مرة أخرى“. عبث توين ويئس وراجع وتخلى عن رواية ” Huckleberry Finn” مرات عديدة حتى استغرق إكمالها قرابة عقد من الزمان. لا تزدهر أعمال سيزان في العالم إلا متأخرًا، ليس نتيجة عيب في الشخصية، أو تشتت الانتباه، أو نقص في الطموح، ولكن لأن الإبداع الذي ينبع من التجربة والخطأ يستغرق بالضرورة وقتًا طويلاً ليُثمر.

من أفضل القصص في “لقاءات قصيرة” قصة بعنوان “طيور كورديليرا الوسطى شبه المنقرضة”، تدور أحداثها حول عالم طيور أُسر كرهينة في كولومبيا. وكما هو الحال في كثير من أعمال فاونتن، تُقرأ القصة بسلاسة ويسر. لكن لم يكن هناك أي شيء من السهولة أو الرشاقة في تأليفها، يقول فاونتن: “لقد واجهت صعوبة في كتابة هذه القصة. أحاول دائمًا أن أكتب أكثر من اللازم. أعني، ربما كتبت خمسمائة صفحة منها في نسخ مختلفة“. يعمل فاونتن حاليًا على رواية، كان من المفترض أن تصدر هذا العام. لكن الوقت تأخر.

فكرة جالينسون القائلة بإمكانية تقسيم الإبداع إلى هذين النوعين – المفاهيمي والتجريبي – لها عدد من الآثار المهمة. على سبيل المثال، نعتقد أحيانًا أن المتأخرين في النضج هم من يبدأون متأخرين. إنهم لا يدركون أنهم بارعون في شيء ما حتى يبلغوا الخمسين من العمر، لذا فمن الطبيعي أن يحققوا ذلك في وقت متأخر من حياتهم. لكن هذا ليس صحيحًا تمامًا. سيزان مثلا كان يرسم في وقت مبكر مثل بيكاسو تقريبًا. او ربما نعتقد أحيانًا انهم فنانون لم يتم اكتشافهم الا متأخرًا؛ فالعالم بطيء في تقدير مواهبهم. في كلتا الحالتين، الافتراض هو أن النابغة والمتأخر في النضج هما الشيء نفسه في الأساس، وأن المتأخر في النضج هو ببساطة عبقري في ظل ظروف فشل السوق. ما تشير إليه حجة جالينسون هو شيء آخر – أن المتأخرين في النضج يزدهرون متأخرًا لأنهم ببساطة لا يكونون جيدين إلا في وقت متأخر من حياتهم المهنية.

كتب الناقد الفني الإنجليزي الكبير روجر فراي عن سيزان في بداياته: “لقد أُعيقت وعُرقلت كل هذه القدرات التي تميّز نظرته الداخلية للأمور باستمرار بسبب عجزه عن إضفاء مصداقية كافية على شخصيات فنه“. وأضاف: “مع كل مواهب سيزان النادرة، افتقر إلى موهبة الرسم التوضيحي الشائع نسبيًا، الموهبة التي يتعلمها أي رسام للأوراق المصورة في مدرسة فنية تجارية؛ بينما تطلّب تحقيق رؤى مثل رؤى سيزان هذه الموهبة بدرجة عالية“. بمعنى آخر، لم يكن سيزان الشاب يجيد الرسم. يكتب فراي عن لوحة “الوليمة”، التي رسمها سيزان في الحادية والثلاثين من عمره: “لا جدوى من إنكار أن سيزان لم يُتقنها“. يُتابع فراي قائلاً: “لقد استطاعت شخصياتٌ أكثر عمقاً وتكاملاً التعبير عن نفسها بانسجام منذ البداية. لكنّ شخصياتٍ غنيةً ومعقدةً ومتضاربةً كشخصية سيزان تتطلب فترةً طويلةً من التخمير“. كان سيزان يُحاول شيئًا مُراوغًا لدرجة أنه لم يستطع إتقانه إلا بعد عقودٍ من الممارسة.

هذا هو الدرس المُحيّر الذي تعلّمه فونتين من محاولته الطويلة لجذب انتباه عالم الأدب. في طريقه إلى الإنجازات العظيمة، سيشبه الفنان المتأخر في النضج الفشل: فبينما يُراجع الفنان المتأخر في النضج أعماله ويأسه ويغير مساره ويُمزق لوحاته إلى شرائط بعد أشهر أو سنوات، سيبدو ما يُنتجه أشبه بما يُنتجه الفنان الذي لن يُزهر أبدًا. العباقرة سهلون. يُعلنون عن عبقريتهم منذ البداية. أما المتأخرون في النضج فصعبون. يتطلبون صبرًا وإيمانًا أعمى. (فلنكن شاكرين لأن سيزان لم يكن لديه مُرشد أكاديمي في المدرسة الثانوية ينظر إلى رسوماته البدائية وينصحه بتجربة المحاسبة). كلما وجدنا فنانًا متأخرًا في النضج، لا يسعنا إلا أن نتساءل عن عدد الفنانين الآخرين الذين أحبطناهم لأننا حكمنا على مواهبهم قبل أوانها. لكن علينا أيضًا أن نقبل أنه لا يوجد شيء يمكننا فعله حيال ذلك. كيف لنا أن نعرف أي من الفاشلين سيُزهر في النهاية؟

بعد لقائي ببن فاونتن بفترة وجيزة، ذهبتُ لمقابلة الروائي جوناثان سافران فوير، مؤلف كتاب “كل شيء مُضاء” الأكثر مبيعًا عام ٢٠٠٢. فاونتن رجلٌ اشيب، نحيفٌ ومتواضع، يبدو على حد تعبير أحد أصدقائه كـ “لاعب غولف محترف من أوغوستا، جورجيا”. فوير في أوائل الثلاثينيات من عمره، ويبدو بالكاد قادرًا على الشرب. يتمتع فاونتن برقةٍ في شخصيته، كما لو أن سنواتٍ من الكفاح قد أزالت ما كان لديه من حِدَّة. يُعطي فوير انطباعًا بأن لمسه وهو في أوج نشاطه سيصيبك بصدمةٍ كهربائية.

قال فوير: “بدأتُ الكتابة من الباب الخلفي. زوجتي كاتبة، ونشأت على تدوين المذكرات – كما تعلمون، كان والداها يقولان: “أطفئوا الأنوار، حان وقت النوم”، وكانت تحمل مصباحًا صغيرًا تحت الأغطية تقرأ الكتب. لا أعتقد أنني أقرأ كتابًا إلا بعد وقتٍ طويلٍ من الآخرين. لم أكن مهتمًا بالكتب.”

التحق فوير بجامعة برينستون وحضر دورة في الكتابة الإبداعية في سنته الجامعية الأولى مع جويس كارول أوتس. ويوضح قائلاً: “كان ذلك عفوياً، ربما لشعوري بضرورة تنوع المواد الدراسية“. لم يسبق له كتابة قصة من قبل. “لم أفكر في الأمر كثيراً، بصراحة، ولكن في منتصف الفصل الدراسي، وصلتُ إلى الفصل مبكراً ذات يوم، فقالت لي: “أنا سعيدة لأني حظيتُ بهذه الفرصة للتحدث إليكِ. أنا من معجبة بكتاباتك“. وكان ذلك بمثابة الهام حقيقي لي“.

أخبرته أوتس أنه يتمتع بأهم صفات الكتابة، ألا وهي الطاقة. كان يكتب خمس عشرة صفحة أسبوعيًا لتلك المادة، قصة كاملة في كل ندوة. قال ضاحكًا: “لماذا يتسرب الماء من سد فيه شق؟ كان هناك شيء بداخلي، كأنه ضغط

في سنته الثانية، التحق بدورة أخرى في الكتابة الإبداعية. وفي الصيف التالي، سافر إلى أوروبا. أراد أن يجد القرية الأوكرانية التي ينحدر منها جده. بعد الرحلة، ذهب إلى براغ، هناك قرأ كافكا كما يفعل أي طالب جامعي في الأدب، وجلس أمام حاسوبه.

قال: “كنت أكتب فحسب. لم أكن أعلم أنني أكتب إلا حين بدأت. لم يكن لديّ نية كتابة كتاب. كتبتُ ثلاثمائة صفحة في عشرة أسابيع. كتبتُ حقًا. لم أفعل ذلك بهذه الطريقة من قبل“.

كانت رواية عن فتى يُدعى جوناثان سافران فوير يزور قرية في أوكرانيا، موطن جده. كانت تلك الصفحات الثلاثمائة هي المسودة الأولى لرواية “كل شيء مُضاء“، تلك الرواية الرائعة والاستثنائية التي رسّخت مكانة فوير كواحد من أبرز الأصوات الأدبية في جيله. كان عمره آنذاك تسعة عشر عامًا.

بدأ فوير بالحديث عن الطريقة الأخرى لكتابة الكتب، حيث تُصقل حرفتك بجهدٍ كبير على مر السنين. قال: “لا أستطيع فعل ذلك“. بدا عليه الحيرة. كان من الواضح أنه لا يفهم كيف سيكون اذا اصبح مبتكر وتجريبي. “أعني، تخيّل لو أن الحرفة التي تحاول تعلمها هي أن تكون اصيلا. كيف يمكنك تعلم حرفة الأصالة؟

بدأ يصف زيارته لأوكرانيا. “ذهبتُ إلى القرية الصغيرة التي تنحدر منها عائلتي. اسمها تراشيمبرود، وهو الاسم الذي استخدمته في الكتاب. إنه مكان حقيقي. لكن أتعلمون ما المضحك؟ إنه البحث الوحيد الذي وجد طريقه إلى الكتاب” كتب الجملة الأولى، وكان فخورًا بها، ثم تردد في ذهنه حول وجهته التالية. “قضيت الأسبوع الأول في نقاش مع نفسي حول ما سأفعله بهذه الجملة الأولى. وبمجرد أن اتخذتُ القرار، شعرتُ بحرية الإبداع – وكان الأمر متفجرًا للغاية بعد ذلك.”

إذا قرأتَ “كل شيء مُضاء”، ستشعر بنفس الشعور الذي تشعر به عند قراءة “لقاءات قصيرة مع تشي جيفارا” – ذلك الشعور بالانطلاق الذي تشعر به عندما يجذبك عمل أدبي إلى عالمه الخاص. كلاهما عملان فنيان. لكن، كفنانين، لا يمكن أن يكون فاونتن وفوير أقل تشابهًا. زار فاونتن هايتي ثلاثين مرة، بينما زار فوير تراشيمبرود مرة واحدة فقط. قال فوير: “أعني، لم يكن هناك أي شيء يُذكر. لم تكن لدي أي خبرة هناك على الإطلاق. كانت مجرد نقطة انطلاق لكتابي. كانت أشبه بحوض سباحة فارغ يجب ملؤه“. إجمالي الوقت الذي قضاه في استلهام روايته: ثلاثة أيام.

لم يتخذ بن فاونتن قرار ترك المحاماة والانضمام إلى مجال الكتابة بمفرده. فهو متزوج ولديه عائلة. التقى بزوجته شارون عندما كانا يدرسان في كلية الحقوق بجامعة دوك. عندما كان يعمل في مجال العقارات في شركة أكين، غامب، كانت تعمل كشريكة في قسم الضرائب في شركة تومسون آند نايت. عمل الاثنان في المبنى نفسه بوسط مدينة دالاس. تزوجا عام ١٩٨٥، وأنجبا ابنًا في أبريل من عام ١٩٨٧. أخذت شاري، كما يناديها فاونتن، إجازة أمومة لمدة أربعة أشهر قبل أن تعود إلى العمل و تصبح شريكة بنهاية ذلك العام.

تتذكر قائلةً: “كان ابننا في حضانة أطفال في وسط المدينة. كنا نقود السيارة معًا، احدنا يأخذه إلى الحضانة، والأخر يذهب إلى العمل. ومن ثم يجب على احدنا ان يعيده من الحضانة، ثم حوالي الساعة الثامنة مساءً، نُحمّمه ونضعه في السرير، لم نكن قد تناولنا الطعام بعد، وكنا ننظر إلى بعضنا البعض ونقول: ‘هذه مجرد البداية’“. عبست. “استمر هذا الأمر لشهر أو شهرين تقريبًا، وكان بن يقول: ‘لا أعرف كيف يفعل الناس هذا’. اتفقنا كلانا على أن الاستمرار بهذه الوتيرة سيُشعرنا جميعًا بالبؤس. قال لي بن: ‘هل تريدين البقاء في المنزل؟‘” حسنًا، كنتُ سعيدةً جدًا في وظيفتي، بينما هو لم يكن كذلك، لذا لم يكن من المنطقي بالنسبة لي أن أبقى في المنزل. ولم يكن لديّ أي شيء أرغب به حقًا سوى ممارسة المحاماة، بينما هو كان لديه. فقلتُ: “انظر، هل يمكننا القيام بذلك بطريقة تتيح لنا الحصول على حضانة أطفال، وتتمكن من الكتابة؟” وهكذا فعلنا.”

كان بن قادرًا على البدء بالكتابة في السابعة والنصف صباحًا لأن شاري كانت تأخذ ابنهما إلى الحضانة. كان يتوقف عن العمل بعد الظهر لأنه كان عليه أن يأتي ليعيده، ثم كان يتسوق ويقوم بأعمال المنزل. في عام ١٩٨٩، رُزقا بطفلة ثانية. كان فاونتن أبًا متفرغًا من شمال دالاس، ويقضي معظم وقته في المنزل.

عندما بدأ بن هذا، تحدثنا عن احتمالية فشله، وتساءلنا عمومًا: “متى سنعرف أنه لا ينجح حقًا؟” وكنت أقول: “حسنًا، انتظر عشر سنوات“، هكذا تذكرت شاري. بالنسبة لها، لم تكن عشر سنوات تبدو غير معقولة. تقول: “يستغرق الأمر بعض الوقت لتقرر ما إذا كنت تحب شيئًا ما أم لا“. وعندما أصبحت العشر سنوات اثنتي عشرة سنة، ثم أربع عشرة سنة، ثم ست عشرة سنة، وانطلق الأطفال في المدرسة الثانوية، وقفت إلى جانبه، لأنها حتى خلال تلك الفترة الطويلة التي لم ينشر فيها بن أي شيء على الإطلاق، كانت واثقة من أنه يتحسن. كانت أيضًا مرتاحة لرحلاته إلى هايتي. تقول: “لا أستطيع تخيل كتابة رواية عن مكان لم أحاول زيارته على الأقل“. حتى أنها رافقته مرة، وفي طريقهما إلى المدينة من المطار، كان هناك أشخاص يحرقون الإطارات في منتصف الطريق.

كنت أكسب دخلًا جيدًا، ولم نكن بحاجة إلى دخلين“، تابعت شاري. تتمتع بشخصية هادئة وهادئة. “أعني، كان من الجيد أن يكون الأمر كذلك، لكن كان بإمكاننا العيش على دخل واحد.”

شاري كانت زوجة بن. لكنها كانت أيضًا – على حد تعبير قديم – راعيته. لهذه الكلمة جانب متعالٍ اليوم، لأننا نعتقد أنه من الأنسب للفنانين (وكل شخص آخر في هذا الشأن) أن يدعمهم السوق. لكن السوق لا يصلح إلا لأشخاص مثل جوناثان سافران فوير، الذي برز فنه مكتملًا في بداية مسيرته الفنية، أو بيكاسو، الذي كانت موهبته جليةً لدرجة أن أحد تجار الأعمال الفنية عرض عليه راتبًا شهريًا قدره مائة وخمسون فرنكًا فور وصوله إلى باريس، في سن العشرين. إذا كنت من النوع المبدع الذي يبدأ دون خطة، ويضطر إلى التجربة والتعلم بالممارسة، فأنت بحاجة إلى من يرافقك خلال الفترة الطويلة والصعبة التي يستغرقها فنك ليصل إلى مستواه الحقيقي.

هذا ما يُضفي على أي سيرة ذاتية لسيزان دلالاتٍ كبيرة. تبدأ سرديات حياته بسيزان، ثم تتحول سريعًا إلى قصة دائرة سيزان، أولهم وأهمهم صديقه المقرب منذ الطفولة، الكاتب إميل زولا، الذي أقنع هذا الشاب الغريب الأطوار من الريف بالقدوم إلى باريس، والذي كان وصيه وحاميَه ومرشدَه طوال سنواته الطويلة العجاف.

هنا زولا، وقد وصل إلى باريس، في رسالة إلى سيزان الشاب في بروفانس. لاحظوا نبرته، فهي أقرب إلى الأبوية منها إلى الأخوية:

تسألني سؤالاً غريباً. بالطبع، يُمكن للمرء العمل هنا، كما في أي مكان آخر، إذا توافرت لديه الإرادة. تُقدم باريس، علاوة على ذلك، ميزةً لا تجدها في أي مكان آخر: المتاحف التي يُمكنك فيها دراسة أعمال الفنانين القدامى من الساعة الحادية عشرة صباحاً حتى الرابعة مساءً. هكذا يجب أن تُقسّم وقتك. من السادسة إلى الحادية عشرة صباحاً، تذهب إلى الاستوديو للرسم من نموذج حيّ؛ تتناول الغداء، ثم من الثانية عشرة إلى الرابعة مساءً، تنسخ أي تحفة فنية تُريدها في متحف اللوفر أو لوكسمبورغ. هذا يُشكّل تسع ساعات عمل. أعتقد أن هذا يكفي.

ويواصل زولا شرحه بالتفصيل لكيفية تمكن سيزان من إدارة شؤونه المالية من خلال راتب شهري قدره مائة وخمسة وعشرون فرنكًا:

سأحسب لك ما يجب أن تنفقه. غرفة بـ ٢٠ فرنكًا شهريًا؛ غداء بـ ١٨ فرنكًا وعشاء بـ ٢٢ فرنكًا، أي ما يعادل فرنكين يوميًا، أي ٦٠ فرنكًا شهريًا… ثم عليك دفع رسوم الاستوديو: أتيليه سويس، أحد أرخص الاستوديوهات، يكلف، على ما أعتقد، ١٠ فرنكات. أضف ١٠ فرنكات للقماش والفرش والألوان؛ ليصبح المجموع ١٠٠ فرنك. سيتبقى لديك ٢٥ فرنكًا للغسيل والإضاءة، والكثير من الاحتياجات الصغيرة التي قد تظهر.

كان كاميل بيسارو الشخصية المحورية التالية في حياة سيزان. كان بيسارو هو من احتضن سيزان وعلمه كيف يكون رسامًا. لسنوات كانت هناك فترات سافرا فيها إلى الريف وعملا جنبًا إلى جنب. ثم كان هناك أمبروز فولار، راعي أول معرض فردي لسيزان، في السادسة والخمسين من عمره. بناءً على إلحاح بيسارو ورينوار وديغا ومونيه، طارد فولار سيزان في إيكس. ورأى لوحةً ساكنةً في شجرة، حيث رماها سيزان باشمئزاز.. جاب المدينة، معلنًا رغبته في اقتناء لوحات سيزان. في كتاب “الأرض المفقودة: حياة سيزان“، يكتب كاتب السيرة فيليب كالو عن ما حدث بعد ذلك:

بعد قليل، ظهر شخصٌ ما في فندقه ومعه شيءٌ ملفوفٌ بقطعة قماش. باع اللوحة مقابل 150 فرنكًا، مما ألهمه للعودة مسرعًا إلى منزله مع التاجر لمعاينة المزيد من لوحات سيزان الرائعة. دفع فولار ألف فرنك ثمنًا للقطعة، ثم في طريقه للخروج كاد أن يُصيب رأسه بلوحة قماشية مهمله أسقطتها زوجة الرجل من النافذة. كانت جميع اللوحات يتراكم عليها الغبار، نصفها مدفون في كومة خردة في العلية.

كل هذا حدث قبل أن يوافق فولارد على الجلوس مئة وخمسين مرة، من الثامنة صباحًا حتى الحادية عشرة والنصف، دون انقطاع، من أجل لوحة تخلى عنها سيزان باشمئزاز. روى فولارد في مذكراته أنه غلبه النعاس ذات مرة، فسقط من على المنصة المرتجلة. وبخه سيزان ساخطًا: “هل تتحرك التفاحة؟” هذه هي الصداقة.

وأخيرًا، كان هناك والد سيزان، المصرفي لويس أوغست. منذ أن غادر سيزان إيكس لأول مرة، في الثانية والعشرين من عمره، كان لويس أوغست يدفع فواتيره، حتى عندما أظهر سيزان كل الدلائل على أنه ليس أكثر من مجرد هاوٍ فاشل. لولا زولا، لظل سيزان ابنًا تعيسًا لمصرفي في بروفانس؛ ولولا بيسارو، لما تعلم الرسم قط؛ ولولا فولار (بإصرار من بيسارو ورينوار وديغا ومونيه)، لفسدت لوحاته في إحدى عليات المنازل؛ ولولا والده، لكانت فترة تدريب سيزان الطويلة مستحيلة ماليًا. هذه قائمة استثنائية من الرعاة. كان الثلاثة الأوائل – زولا، وبيسارو، وفولارد – ليُصبحوا مشهورين حتى لو لم يكن سيزان موجودًا، أما الرابع فكان رجل أعمال موهوبًا بشكل استثنائي، ترك لسيزان أربعمائة ألف فرنك عند وفاته. لم يكن سيزان يحظى بالدعم فحسب، بل كان لديه فريق أحلامه.

هذا هو الدرس الأخير لمن يتأخر في التألق: نجاحه أو نجاحها يعتمد بشكل كبير على جهود الآخرين. في سير سيزان، يظهر لويس أوغست دائمًا كشخصٍ متعجرفٍ لا يُقدّر عبقرية ابنه. لكن لويس أوغست لم يكن مضطرًا لدعم سيزان طوال تلك السنوات. كان من حقه أن يُمكّن ابنه من الحصول على وظيفة حقيقية، تمامًا كما كان من الممكن أن ترفض شاري رحلات زوجها المتكررة إلى فوضى هايتي. كان بإمكانها أن تُجادل بأن لها بعض الحق في نمط حياة مهنتها ومكانتها – وأنها تستحق قيادة سيارة بي إم دبليو، وهي سيارة الأزواج النافذين في شمال دالاس، بدلًا من سيارة هوندا أكورد، وهي ما رضيت به.

لكنها آمنت بفن زوجها، أو ربما، ببساطة، آمنت بزوجها، كما آمن زولا وبيسارو وفولار، ولويس أوغست -على طريقته المتذمرة- بسيزان. قصص المتأخرين في النجاح هي قصص حب دائمًا، ولعل هذا هو سبب صعوبة فهمنا لها. نود أن نعتقد أن الأمور العادية كالولاء والصمود والاستعداد للاستمرار في كتابة الشيكات لدعم ما يبدو فشلًا لا علاقة لها بشيء نادر كالعبقرية. لكن العبقرية أحيانًا تكون أبعد ما تكون عن العبقرية؛ أحيانًا تكون مجرد ما ينبثق بعد عشرين عامًا من العمل في المطبخ.

قال فاونتن: “لم تذكر شاري ولو مرة واحدة مسألة المال، ولا مرة واحدة – أبدًا“. كانت تجلس بجانبه، فنظر إليها نظرة أوضحت أنه يدرك أن الفضل في “لقاءات قصيرة” يعود لزوجته. امتلأت عيناه بالدموع. قال: “لم أشعر بأي ضغط منها، لا سرًا ولا ضمنًا“.




هذه المقالة مترجمة من موقع THE NEW YORKER


النص الآخر

ترجمة أبرز ما ينشر في العالم: فكر، ثقافة، فلسفة، تحليل جيوسياسي، دراسات، تاريخ